سيرة حياة بنت الوطن السيدة خديجة الجهمى …


شهد عام 2006 صدور كتابين عن رائدة حقوق المرأة في ليبيا ،والرائدة الإذاعية والصحافية خديجة الجهمى ،لأن عام 2006صادف مرور عشر سنوات على رحيلها.
الكتاب الأول بعنوان خديجة الجهمى نصف قرن من الابداع من أعدادالاستاذة حميدة بن عامر التى سبق وأصدرت كتاب عن رائدة تعليم الفتيات فى بنغازي السيدة حميدة العنيزى
أما الكتاب الثانى فهو من أعداد الأستاذة الباحثة أسماء الأسطى، وهو بعنوان أنا خديجة الجهمى
فيما كان كتاب الاستاذة امينة بن عامر عبارة عن لقاءات صحافية وحوارات مع مجايليها من الاعلاميين والاعلاميات ، وتلميذاتها من الاذاعيات والصحافيات ، رفقة سرد بسيط لسيرتها المهنية ،فان كتاب الباحثة أسماء مصطفى الأسطى هو سرد لحياة السيدة خديجة الجهمى الشخصية والمهنية ،بالحوار المباشر والمسجل معها شخصيا ..
تورد الباحثة فى مقدمتها للكتاب عن سبب أختيارها لسرد السيرة الذاتية لرائدة حقوق المرأة في ليبيا ، ورائدة الاعلاميات والصحافيات الليبيات بنت الوطن خديجة الجهمى كما تقول فى مقدمة كتابها : عندما صدر كتاب ورقات مطوية لعمى محمد الأسطى متضمنا السيرة الذاتية التي سبق نشرها في صحيفة الأسبوع الثقافي عام 1976 أهديتها نسخة منه وكتبت لها فى الصفحة الاولى ان تحذو حذو ه وتكتب سيرتها الذاتية
بعد ذلك انشغلت الباحثة كما تقول فى مقدمة الكتاب بالتزاماتها الاسرية والامومية الى ان هاتفتها السيدة خديجة الجهمى واتفقتا على ان تتحدث السيدة خديجة الجهمى على سجيتها وتقوم الباحثة بتسجيل سيرتها على اشرطة تسجيل، تقوم بعد ذلك الباحثة بتفريغها ، والذى اثمر عن صدور الجزء الاول من هذه السيرة الذاتية ،ولكن الباحثة اسماء الاسطى لم تكتفى بما أجرته من تسجيل حى وسردى للسيرة الذاتية للسيدة خديجة الجهمى شخصيا وانما اعتمدت كما تقول فى كتابها على ماتركته السيدة من رسائل عند عزيزة الشيبانى، التى استلمتها منها الباحثة بعد وفاة السيدة خديجة الجهمى
ومن المعروف ان السيدة :عزيزة الشيبانى كانت قد اصدرت كتابا عن السيدة خديجة الجهمى بعنوانبنت الوطننشرت فيه بعض من سيرتها الذاتية وبعض منكتاباتها وخواطرها .
وتذكر الباحثة اسماء الاسطى بأن كل مقتنيات السيدة خديجة الجهمى لازالت موجودة فى مخازن ذويها ،وانها تستحق ان ينِشأ متحف خاص بها باعتبارها اول من دافع عن حقوق المرأة واول اذاعية وصحافية واول مؤسسة لمجلة مختصة بالمراة.
تورد الباحثة فى الصفحات الاولى من كتابها لكلمة الاستاذ منير البعباع الذى ابدى تحسره على التجاهل لتاريخ خديجة الجهمى النضالى الطويل وماعانته من من شقاء فى طفولتها وشبابها ،وكفاحها فى وقت الحرب والصعوبة الاجتماعية التى واجهتها فى حياتها ، وانها تستحق ان تكون من ضمن الاسماء التى يشاد بها ليس على المستوى المحلى بل على المستوى العربى والعالمى.
السيرة الذاتية للسيدة خديجة الجهمى كما روتها شخصيا ..
تذكر مؤلفة كتاب االذاكرة فى الفلسفة والادب البروفسورة ميرى ورنوك فى فصل من فصول كتابها يتحدث عن السيرة الشخصية ..كلمات لكاتبة السيرة ستورم جيمس فى سيرتها الذاتية المعنونة برحلة الى الشمال تقول فيها ..حين يعيش الرجل او المرأة حياة غير اعتيادية او يلعب دورا فى مشروع عظيم ما فانه لايحتاج الى تقديم اسباب اخرىتدعوه الى تسجيل مامربه
ولأن السيدة خديجة الجهمى أمتلكت مشروع كبير نذرت له كل حياتها فأن تجميع بعض الباحثات لسيرتها الذاتية هو عمل تستحقه هذه المراة العظيمة ،وماقامت به السيدة عزيزة الشيبانىوالأستاذة أمينة بن عامرهو مجهود كبير من أجل اضاءة كثير من الجوانب الشخصية والمهنية لها.
ولكن كتاب انا خديجة للباحثة أسماء الاسطى هو كتاب مختلف عن الكتابين السابقين لأنه سيرة السيدة خديجة الجهمى ،بروايتها هي وبكلماتها ..لذا جاء الكتاب دافقا حيويا ممتعا فى قراءته بحيث تستحضر روح السيدة خديجة الجهمى بصفحات الكتاب وكأنها تتحدث بجانبك حين تسرد بلهجة بنغازية بسيطة كل صفحات حياتها الشخصية والمهنية بصدق وعفوية وبساطة بنت البلاد الأصيلة التي كونت اسما كبيرا لها بجهدها وكفاحها وتعبها وفتحت الطريق أمام أجيال كثيرة بعدها للتعلم ومعرفة الحقوق التي أعطاها لها الله ،وكان العرف المجتمعي يحرمها منها و أيضا بروحها الإنسانية التي ظهرت من خلال اهتمامها بمشاكل وقضايا الناس من خلال برنامجها الاذاعى الأول والرائد في البرامج الاذعية الاجتماعية و الذي كان بعنوان أضواء على المجتمع
تبدأ السيدة خديجة الجهمى سيرتها في كتاب أنا خديجة الجهمى بذكر سنة ميلادها الذي كان في مدينة بنغازي، فجر يوم الجمعة 7 رجب الموافق 15-3- 1921ثم تتحدث عن والدها بالقول” أبى رجل متعلم بالنسبة لجيله ،فهو يقرأ ويكتب باللغتين العربية والايطالية ،رغم انه لم يدخل مدرسة قط، وكان يعمل في مطبعة يصفف الحروف ويطبع الجريدة التي كانت الإدارة الايطالية تصدرها انذاك ،وهى جريدةبريد برقة “،ثم تسترسل السيدة خديجة في الحديث عن والدها بحنان ومحبة حين تقول عنه في مقطع تالي من الكتاب “كان والدي شاعرا رقيقا وسيما أبيا ،ذا شخصية قوية ،عطوفا كريما وقد احبنى كثيرا،وتسرد السيدة خديجة تفاصيل العائلة الخاصة وطريقة زواج والدها من أمها وطفولتها في بيت الجد الذي عاش والداها فيه لمدة طويلة ..ثم تصف بسلاسة وجمال بيت العائلة الذي تقول عنه :يقع بيتنا في شارع الكيش : وهو زقاق صغير يتكون من بيوت متشابهة محصورة بينه وبين زنقة البعباع، بيتنا ككل البيوت ،له نفس الهندسة التقليدية التي تبدأ بممر طويل يتوقف عند سقيفة تفتح على ساحة في وسط البيت ،وفى كل ضلع من أضلاعها المربعة دارين أرضيته مرصوفة بالاسمنت
وتسرد السيدة خديجة الجهمى بعفوية ملامح البيت من الداخل وتصف تفاصيله عبر منمنات دقيقة احتفظت بها ذاكرتها طازجة حية وكأنها ابنة اللحظة وكأنها لازالت تلك البنت الصغيرة التي تتجول في ربوع ذلك البيت وتغنى لحصالتها باللغة الايطالية الأغنية التي علمتها لها مدرسة اللغة الايطالية .
وتتحدث عن بنغازي بحنان غامر وحب دافق حين تسترجعها ذاكرتها كانت مدينة صغيرة جدا،ولم يكن بها سوى شارع رئيسي واحد يصل وسط المدينة البركة إحدى ضواحيها ،رغم أن المسافة بينهما لاتزيد عن كيلومتر ونصف إلا إننا كنا نعتبرها سفرا كلما اضطررنا لقطعها،أما عدد سكانها انذاك فلا يزيد عن عدد سكان حي في ضواحي مدينة كبيرة ،الاانها كانت بالنسبة لي مدينة كبيرة جدا قضيت فيها ربع قرن من عمري
وتسهب السيدة خديجة الجهمى في وصف أسواق المدينة التي كانت كما تقول الأسواق الوحيدة في ذلك الوقت التي يقبل عليها المشترين من كل المناطق مثل سوق الفندق |وسوق لحشيش و الحديث عن سوق الحشيش حديث ذو شجون فهو اكبر أسواق المدينة ويقع وسط الحي على مساحة مربعة تقريبا،منه تمتد طرق تؤدى إلى شارعيسالم الزوبيك ومقام ولى سمى الشارع باسمه هو عثمان بحيحكان السوق ولا يزال له اكبر الأثر في خيالي بل في حياتي ،ففي ساحته لعبت ،ومن الحوانيت التي على جانبيه ابتعت لاسرتى جل ماتحتاج له
وتمضى السيدة خديجة في سردها الممتع الجميل لكل زوايا المدينة والأشخاص المعروفين بالمنطقة ،في استدعاء حميم ومذهل ويعبر عن ذاكرة صافية وذهن متقد بالرغم من أنها سردت سيرة حياتها وهى متجاوزة للسبعين من عمرها الاانها تذكر تفاصيل حدثت معها وهى طفلة فى السابعة من عمرها مع الجيران والأهل باسلوب عفوي ممتع يجعل القارئء يواصل قراءة كل تلك الذكريات المنهمرة لزمن اخر وعالم اخر وناس غير الناس بشغف وحب وفى رواية دقيقة لتفاصيل اليومى فى البيت والشارع وطريقة التسوق وانواع الاكلات التلى كان تعدها العائلات فى تلك الفترة الزمنية عبر لوحة بانورامية جميلة تعبر عن وعى مبكر منذ طفولتها بمجريات الاحداث السياسية حولها حيث تتحدث عن استشهاد شيخ الشهداءعمر المختار ،فى عام 1931 حين كانت فى العاشرة من عمرها ،
كما ان وعيها المبكر وفطنتها وذكاءها سانده ماكانت تتحصل عليه من مجلات مهربة من مصر ، لان حيازة المجلات كانت تهمة في ذلك الوقت ،فكانت تطالع مجلة الرسالة ،الثقافة ، الأزهر، الاسلام ، الاثنين،الدنيا ،الكواكب ،روز اليوسف
ومع إطلالة عام 1934 تقول السيدة خديجة الجهمى احضر لي والدي راديو: كبير ،نسمع عبره إذاعة مصر بصعوبة إثناء الليل ،كما يصلنا بوضوح بث راديو بارى”وراديو طنجة باعتبارهما مركزا دوليا
عمل النساء في البيوت
تسرد السيدة خديجة الجهمى لدور المرأة وعملها من داخل البيت في تلك الفترة الزمنية من عقد ثلاثينات القرن العشرين عند العائلات الليبية التي بدأت صناعات بسيطة تقليدية للأحذية والبلغ والبلغة هى جمع بلغ والرقعة التىتنتعلها النساء وهى حذاء يصل الى ماتحت الركبة تشبه البوت او الجزمة ونص الرقعة ،الصباط حيث تأتى النساء بالقطع المفصلة والمقصقصة من الجلود لتتحول بأناملهما بواسطة اداة ذات رأسش حاد تسمى المشفة حيث تستعمل لحرم الجلد الذى يطرز فيما بعد بخيوط رفيعة من الجلد ذاته او بخيوط ملونة،بينما تقوم عائلة سيدى فرج بصنع اسرجة الخيول التي تطرزها النساء بخيوط من الذهب والفضة ليبيعها سيدى فرجفى دكانه بسوق الحشيش اما خالتى سعدة وبناتها وزوجة ابنها فهن جميعا فى بيت اخر يصنعن الثياب الخاصة بالرجال من الصوف الذى يقمن بغزله ونسجه ،كما تعمل نساء اخريات فى صنع الجوارب من القطن او الجدائل المستعارة من الصوف المصبوغ باللون الاسود،كمان هناك نساء اخريات يعملن فى فن الدانتيل او الكروشيه التى تصنع منها انصاف اكمام وياقات المريول ذلك القميص القصير الذى يلبس تحت الزى الشعبى للنساء
شخصيات من معالم مدينة بنغازي
تورد السيدة خديجة الجهمى لشخصيات شعبية معروفة بمدينة بنغازي في أوائل القرن العشرين محفورة في ذاكرة أهل المدينة الأوائل ومنها كما تتحدث السيدة خديجة شخصية
محضية والتي تصفها بالقول :هي امرأة ضخمة الحجم تمشى كالمجنونة في الشارع تكلم نفسها لاتؤذى احد
* وعبابودة ..ملامحه تشبه الصوماليين يلبس جلابية مفرطة الطول ينتعل صباط او شبب ويرتدى فوق كل ذلك جاكبيتى ثم تتحدث بصورة طريفة عن ثريا التي تقول عنها جاءت من البادية ،لكنتها غريبة سمراء ذات تقاطيع رقيقة بوجهها استطالة تقترب في عمرها من الخامسة والثلاثين حلوة
*بطة المغنية اليهودية ،زوجها خموس له دكان قبالة شارعنا يعمل في لحام وتسهب السيدة خديجة في الحديث عن كل شخصية بعفوية وطيبة وحياد وموضوعية كما رأتهم عين الطفلة وكما احتفظت بهم في الذاكرة عين المرأة الكبيرة .
نشوب الحرب العالمية الثانية
تقول السيدة خديجة الجهمى في سيرتها الذاتية “عندما نشبت الحرب العالمية الثانية كنت في العشرينات من عمري ، ولم أغادر مدينتي سوى مرتين ،واحدة إلى القوا رشة والأخرى إلى قمينس “
وتتحدث في مقطع أخر من الكتاب عن
المزيد