في البرية
بقلم :أمير العمري
لاشك ان فيلم " فى البرية "هو فيلم العام 2007 بدون منازع.،إنه مفاجأة سارة لكل عشاق السينما في العالم، وعمل سيبقى طويلا في الذاكرة ،مفاجأة لأنه يأتي من شون بن Sean Penn الممثل والكاتب والمخرج الذي عُرف بمواقفه النقدية للإدارة الأمريكية، والذي قال في مقابلة حية مع لاري كنج (نجم محطة سي إن إن) إن الرئيس جورج بوش "يدمر ديمقراطيتنا… ويأتي بالفاشية إلى بلادنا"، وأنه " أصاب بلادنا والإنسانية بأضرار بالغة " هذا الموقف السياسي ربما يدفع إلى الاعتقاد بأن الفيلم الجديد "الرابع" الذي يخرجه شون بن، قد يكون فيلما سياسيا يمتلئ بالعبارات الكبيرة، وبالهجاء السياسي المباشر، لكن شون بن فاجأنا حقا بأن قدم لنا واحدا من أكثر الأفلام شاعرية ورقة وعذوبة، وأثبت أنه ليس فقط فنانا مفكرا صاحب موقف، بل وأيضا سينمائي يمتلك "رؤية" فنية ونظرة فلسفية للحياة، وفضلا عن هذا كله، شاعر سينما يمتلك مقدرة عالية على التأمل والتعبي
إن شون بن يستخدم الكاميرا كما يستخدم الرسام الريشة والألوان، ويتعامل مع نبضات الحياة بلغة الشعر المرئي، الذي يتكون من صور تولد الأحاسيس وتفجر المشاعر، مهما بدت متناقضة مع الواقع والحقيقة.
التعبير الذاتي
في الوقت نفسه يمكن القول إن فيلم "في البرية" أحد أكثر الأفلام تعبيرا عن الذات في السينما الأمريكية منذ زمن طويل ،إنه أكثر قربا بالتأكيد من أفلام مشابهة ظهرت في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، في زمن التمرد والقلق والرفض والهروب إلى الموسيقى والطبيعة والرقص والشعر الغاضب.
إلا أن شون بن يعبر فيه أيضا عن رفضه للمؤسسة الاجتماعية الأمريكية القائمة، وقيم الطبقة الوسطى السائدة، ويظهر بوضوح تعاطفه مع بطله المعذب الذي ينشد التحرر والسعادة بعيدا عن المجتمع بقيوده وتقاليده وجموده وقوالبه.
الطبيعة تلعب دورا اساسيا إلى جانب البطل في هذا الفيلم .
الفيلم مأخوذ عن كتاب بالعنوان نفسه من تأليف جون كراكاور، يروي فيه قصة حقيقية هي قصة شاب يدعى كريستوفر ماكندليس ينتمي لأسرة ثرية من علية القوم، تخرج من الجامعة بتفوق، لكنه يقرر أن يهجر كل شئ: الوظيفة المرموقة المنتظرة والأسرة والبيت والمجتمع والسيارة الجديدة الفارهة، ويهرب إلى الطبيعة، في رحلة فردية أوديسية تنتهي نهاية تراجيدية محتمة.
إنه يتبرع بمدخراته (24 ألف دولار لمؤسسة أوكسفام الخيرية)، ويحرق أوراق هويته وبطاقاته الخاصة، ويتخذ لنفسه اسما جديدا ساخرا هو "ألكسندر الصعلوك الكبير"، ويخوض مغامرته حتى النهاية، بروح ملؤها الأمل والرغبة في التحرر، قاطعا كل صلة له بأسرته وماضيه وعالمه.
رواية الأحداث
يتكون الفيلم من 5 فصول عدة، تحمل عناوين محددة بسيطة هي "مولدي" و"المراهقة" والبلوغ"، و"الأسرة"، "التخلي عن الحكمة"، ويستخدم المخرج الذي كتب بنفسه السيناريو، أسلوب رواية الأحداث من خلال التعليق الصوتي، تارة من وجهة نظر شقيقة البطل، وتارة أخرى من وجهة نظر البطل نفسه وهو يسجل مذكراته.
بطلنا الراغب في الهرب من المجتمع الاستهلاكي بقيمه الاجتماعية الزائفة يبدو مدفوعا إلى مغامرة أقرب إلى الحلم، بقوة رفض لعالمه المصنوع: والداه يتشاجران طيلة الوقت ويختلفان حول أسلوب تنشئته، يريدان تحديد مستقبله حسب المقاييس الاجتماعية للنجاح.
إلا أنه لا يبدو فقط مدفوعا بالنظر إلى الوراء في غضب، بل بالرغبة في قهر الطبيعة وتطويعها، وتحدي نفسه وإثبات أنه يستطيع تحقيق ما يصبواليه، مهما كانت المخاطر الكامنة وهي كثيرة.
إنه يطوي الطرق ويقطع أرجاء الولايات المتحدة من أقصى الجنوب، من المكسيك، إلى الشمال، مرورا بنهر كولورادو الذي يصر على أن يقطعه على أداة خشبية للتزلج على الماء ومجداف، ثم يمر بمزارع ولاية داكوتا الجنوبية، ثم كاليفورنيا، هدفه الوصول إلى قمة أعلى جبال آلاسكا الجليدية.
نماذج بشرية
وخلال تلك الرحلة الأوديسية، يلتقي "كريس" بشخصيات ونماذج بشرية، يتعلم منها الكثير، عن الحياة، وعن الحكمة، والسعادة، ويبدو وكأنه يخرج من الطفولة إلى النضج .
القطيعة الكاملة مع المجتمع هي السمة المميزة لرحلة البطل
إنه يلتقي أولا بثنائي: رجل وامرأة، يعيشان حياة منطلقة تشبه حياة الهيبيز، في البرية، المرأة تجد فيه ما تفتقده في رفيق حياتها، الدفء والحوار، فتتخذه ابنا، تحاول أن تنصحه بتغليب العقل على العاطفة، وتمنحه دروسا في كيفية تحرير الروح دون فقدان الصلة بالأرض.
ويلتقي بعد ذلك بمزارع يشركه معه في حصد القمح، لكن الشرطة تقبض عليه فجأة بسبب جريمة سرقة ارتكبها في مكان آخر في الماضي، وكأن بطلنا يلتقي دوما بأب بديل أو أم بديلة.
ويتجه كريس غربا، عبر النهر والتسلل داخل قطار. ويلتقي في مخيم الغجر
المزيد