السيد محمد الفرجانى
لعب السيد محمد الفرجانى دوراً ريادياً فى عالم الكتب والنشر الليبى منذ
منتصف الخمسينيات وحتى الوقت الحاضر، ويتذكر السيد محمد بداية شغفه بالكتاب
إلى مشاهدته لأحد الأولاد فى الشارع حاملاً بين يديه كتاباً مصوراً جعله يشعر
بالإنجذاب الى الكتاب وما حواه من صور فسكنته رغبة جامحة فى ضرورة الحصول
على واحد مثله، وعندما سأل صاحبه عن كيفية الحصول على كتاب مصور، أجابه بأن
المدرسة هو المكان الذى يمكنه من الحصول على كتاب به صور.
ولد السيد محمد الفرجانى فى عشرينيات القرن الماضى فى أسرة من الطبقة
الوسطى، حيث تلقى تعليماً تقليدياً فى طفولته، يقوم على حفظ القرآن الكريم فى
إحدى الخلوات التابعة للطريقة الاسمرية بحى الظهرة بمدينة طرابلس، ويتذكر
عن هذه الفترة من حياته بأن شدة الشيخ المحفظ، واستعماله للعصا الطويلة فى
تأديب التلاميذ الصغار، جعلته يشعر بعدم السعادة فى الدراسة، حتى تعرف يوماً
على وجود كتب مصورة، تأتى من مدارس حديثة، دفعته بإصرار على تغيير مسار
دراسته، ولكن الأمر لم يسر كما تخيل بعقله الصغيرآ آنذاك، فجزء كبير من
الليبيين لم يحبذوا فكرة إرسال أولادهم للمدارس الحديثة الواقعة تحت
السيطرة الايطالية.
ويتذكر ذلك: ".. أسرعت الخطى لأهلى وطلبت منهم الإلتحاق بالمدرسة، وألححت
فى طلبى وأبديت قرارى بعدم قبولى الذهاب للتعلم فى (الكتاب). طبعاً لم يكن
الأمر سهلاً وفق تخيلاتى، لكن جهوداً بذلت من أجل الإلتحاق بالمدرسة، والتى
كنت سعيداً للإنخراط فيها، وكنت أنتظر اللحظة التى أمسك فيها بالكتاب
المصور، وفعلاً تحصلت عليه وعدت إلى البيت وسعادة لا حدود لها تغمرنى، فكتاب
(التصاوير) كان نقطة الجذب الأولى لعالم الكتب والتى لم تنته. وقتها كنت فى
السادسة من عمرى، وكان ذلك الكتاب مقرر على السنة الأولى الابتدائية، ولكنه
متميز بالصور ..".
تواصل شغفه بالكتب من خلال قيامه بشراءها من العيدية التى يمنحها له والده،
فهو يتذكر تلك الفترة بأنه: "عندما كنت صغيراً كان والدى يعطينى العيدية
فأركض لأشترى بها مصحفاً، ثم السنة التالية كتاب ألف ليلة وليلة، إذ كانت
هذه الكتب التى موجودة وقتها".
أكمل السيد محمد دراسته فى المرحلة الابتدائية فى مدينة زوراة لإضطرار
أسرته للإنتقال بحكم عمل الوالد بشير الفرجانى، ثم عاد السيد محمد الى
مدينة طرابلس للإنخراط فى المدرسة الإسلامية لمدة خمس سنوات تقريباً، حتى
قيام الحرب العالمية الثانية، بعدها تحصل على وظيفة مدرس بعد تلقيه دورات
تأهيلية فى التعليم.
حاول السيد محمد أن يمارس نشاطاً تجارياً فى مرحلة الأربعينيات كوكيل تجاري
لإجادته اللغتين الإنجليزية والإيطالية، بالإضافة لمعرفته إستعمال الآلة
الكاتبة فى تلك الفترة التى سيطر فيها الإيطاليون واليهود على الحركة
الاقتصادية للبلاد، فهو لا ينسى أنه: ".. عندما كنت أعرض بضاعة ما على
التجار، يستغربون، كيف لشخص عربى ليبى أن يعمل فى سلك التوكيلات التجارية،
ولم يتم النظر آنذاك للعرب بثقة، وبالتالى لم أنجح فى الحصول على طلبات
تجارية".
حاول البحث عن نشاط يصعب على غير الليبى ممارسته، ووجده فى تجارة الكتب،
وبيع الجرائد، إذا يشير لبدايته البسيطة تلك عبر قيامه بممارسة نشاط بيع
الكتب المستعملة بشكل غير رسمى فى الأربعينيات، إذ كان يبيع الكتاب بعد
قراءته، ويذكر الأستاذ سالم بن عمار: "أن السيد محمد صديق جده لأمه، إنسانٌ
عصاميُ من الطراز الأول، فقد بدأ ببيع الجرائد على دراجة نارية ثم ما لبث أن
ازدهر فى عالم التجارة حتى أصبحت لديه مكتبته الشهيرة".
يتذكر السيد محمد قيامه فى تلك الفترة بالبحث عن عناوين دور نشر وموزعين فى
مصر عبر غرفة التجارة، ومن ثم مراسلتهم، حيث تحصل على ردود من بعضهم،
بموافقتهم بمده بعينات من مطبوعاتهم مقابل إرسال المال، ولا يخفى السيد
محمد مدى جهله لكثير من اساليب التعاملات التجارية كتحويلات المالية، فيذكر
بأنه كان يقوم بالأمر على النحو التالى: "أرسل الأموال البسيطة التى يمكننى
جمعها فى ذات الرسالة التى تحوى الطلب، وكانت تصلنى العينات فعلاً، وشكلت
هذه العينات إضافة إلى محتويات مكتبتى الشخصية نواة للمكتبة، وكانت مجلة
السندباد من المجلات التى راسلتها فى تلك الفترة، فكانت تأتينى الأعداد
أبيعها للمدارس، ثم فكرت فى استيراد بعض الصحف المصرية، وهكذا دواليك حتى
بداية الخمسينيات"، حيث توالت العروض من دور النشر العربية على السيد محمد
لتزويده بالصحف اليومية، والمجلات الأسبوعية.
سعى السيد محمد الى تطوير مهنته وذلك باعتماده على جلب الصحف عن طريق النقل
الجوى، مما ساعد فى وصولها فى وقت ابكر قياساً بجلبها عن طريق البر، ثم توسع
فى توزيع الصحف الإيطالية، ولكنه تخلى عنها رفقاً بأحد اليهود، ويقول عن ذلك
بأنه: " جاء لزيارتى وطلب أن أتوقف عن توزيع الصحف الايطالية بسبب أننى كنت
أوفرها مما جذب الزبائن لخدمتى، فقد أعرب لى حينها أن توزيع الصحف هى مصدر
رزقه الوحيد، وبمنافستى هذه قطعت رزقه". وقد ازدهرت أعماله فى تجارة الكتب
والمجلات خاصة مع ارتباطه بدار المعارف بمصر.
وعندما تقرر أن يكون عالم الكتب هو عالمه قرر فى العام 1955 افتتاح مكتبته
الشهيرة الواقع مقرها بشارع عمرو بن العاص (الوادى) رغم ضعف الاقبال على
القراء فى ذلك الوقت بسبب الأمية والفقر، ويتذكر ذلك: ".. كان الاقبال على
القراءة آنذاك ضعيف جداً، النسبة الأكبر من الزبائن كانوا من العرب
المغتربين، وهؤلاء خدمونى ف

























