إيناس المنصورى
كتبهاانتصار بوراوى ، في 14 يونيو 2009 الساعة: 09:02 ص
السيد محمد الفرجانى
لعب السيد محمد الفرجانى دوراً ريادياً فى عالم الكتب والنشر الليبى منذ
منتصف الخمسينيات وحتى الوقت الحاضر، ويتذكر السيد محمد بداية شغفه بالكتاب
إلى مشاهدته لأحد الأولاد فى الشارع حاملاً بين يديه كتاباً مصوراً جعله يشعر
بالإنجذاب الى الكتاب وما حواه من صور فسكنته رغبة جامحة فى ضرورة الحصول
على واحد مثله، وعندما سأل صاحبه عن كيفية الحصول على كتاب مصور، أجابه بأن
المدرسة هو المكان الذى يمكنه من الحصول على كتاب به صور.
ولد السيد محمد الفرجانى فى عشرينيات القرن الماضى فى أسرة من الطبقة
الوسطى، حيث تلقى تعليماً تقليدياً فى طفولته، يقوم على حفظ القرآن الكريم فى
إحدى الخلوات التابعة للطريقة الاسمرية بحى الظهرة بمدينة طرابلس، ويتذكر
عن هذه الفترة من حياته بأن شدة الشيخ المحفظ، واستعماله للعصا الطويلة فى
تأديب التلاميذ الصغار، جعلته يشعر بعدم السعادة فى الدراسة، حتى تعرف يوماً
على وجود كتب مصورة، تأتى من مدارس حديثة، دفعته بإصرار على تغيير مسار
دراسته، ولكن الأمر لم يسر كما تخيل بعقله الصغيرآ آنذاك، فجزء كبير من
الليبيين لم يحبذوا فكرة إرسال أولادهم للمدارس الحديثة الواقعة تحت
السيطرة الايطالية.
ويتذكر ذلك: ".. أسرعت الخطى لأهلى وطلبت منهم الإلتحاق بالمدرسة، وألححت
فى طلبى وأبديت قرارى بعدم قبولى الذهاب للتعلم فى (الكتاب). طبعاً لم يكن
الأمر سهلاً وفق تخيلاتى، لكن جهوداً بذلت من أجل الإلتحاق بالمدرسة، والتى
كنت سعيداً للإنخراط فيها، وكنت أنتظر اللحظة التى أمسك فيها بالكتاب
المصور، وفعلاً تحصلت عليه وعدت إلى البيت وسعادة لا حدود لها تغمرنى، فكتاب
(التصاوير) كان نقطة الجذب الأولى لعالم الكتب والتى لم تنته. وقتها كنت فى
السادسة من عمرى، وكان ذلك الكتاب مقرر على السنة الأولى الابتدائية، ولكنه
متميز بالصور ..".
تواصل شغفه بالكتب من خلال قيامه بشراءها من العيدية التى يمنحها له والده،
فهو يتذكر تلك الفترة بأنه: "عندما كنت صغيراً كان والدى يعطينى العيدية
فأركض لأشترى بها مصحفاً، ثم السنة التالية كتاب ألف ليلة وليلة، إذ كانت
هذه الكتب التى موجودة وقتها".
أكمل السيد محمد دراسته فى المرحلة الابتدائية فى مدينة زوراة لإضطرار
أسرته للإنتقال بحكم عمل الوالد بشير الفرجانى، ثم عاد السيد محمد الى
مدينة طرابلس للإنخراط فى المدرسة الإسلامية لمدة خمس سنوات تقريباً، حتى
قيام الحرب العالمية الثانية، بعدها تحصل على وظيفة مدرس بعد تلقيه دورات
تأهيلية فى التعليم.
حاول السيد محمد أن يمارس نشاطاً تجارياً فى مرحلة الأربعينيات كوكيل تجاري
لإجادته اللغتين الإنجليزية والإيطالية، بالإضافة لمعرفته إستعمال الآلة
الكاتبة فى تلك الفترة التى سيطر فيها الإيطاليون واليهود على الحركة
الاقتصادية للبلاد، فهو لا ينسى أنه: ".. عندما كنت أعرض بضاعة ما على
التجار، يستغربون، كيف لشخص عربى ليبى أن يعمل فى سلك التوكيلات التجارية،
ولم يتم النظر آنذاك للعرب بثقة، وبالتالى لم أنجح فى الحصول على طلبات
تجارية".
حاول البحث عن نشاط يصعب على غير الليبى ممارسته، ووجده فى تجارة الكتب،
وبيع الجرائد، إذا يشير لبدايته البسيطة تلك عبر قيامه بممارسة نشاط بيع
الكتب المستعملة بشكل غير رسمى فى الأربعينيات، إذ كان يبيع الكتاب بعد
قراءته، ويذكر الأستاذ سالم بن عمار: "أن السيد محمد صديق جده لأمه، إنسانٌ
عصاميُ من الطراز الأول، فقد بدأ ببيع الجرائد على دراجة نارية ثم ما لبث أن
ازدهر فى عالم التجارة حتى أصبحت لديه مكتبته الشهيرة".
يتذكر السيد محمد قيامه فى تلك الفترة بالبحث عن عناوين دور نشر وموزعين فى
مصر عبر غرفة التجارة، ومن ثم مراسلتهم، حيث تحصل على ردود من بعضهم،
بموافقتهم بمده بعينات من مطبوعاتهم مقابل إرسال المال، ولا يخفى السيد
محمد مدى جهله لكثير من اساليب التعاملات التجارية كتحويلات المالية، فيذكر
بأنه كان يقوم بالأمر على النحو التالى: "أرسل الأموال البسيطة التى يمكننى
جمعها فى ذات الرسالة التى تحوى الطلب، وكانت تصلنى العينات فعلاً، وشكلت
هذه العينات إضافة إلى محتويات مكتبتى الشخصية نواة للمكتبة، وكانت مجلة
السندباد من المجلات التى راسلتها فى تلك الفترة، فكانت تأتينى الأعداد
أبيعها للمدارس، ثم فكرت فى استيراد بعض الصحف المصرية، وهكذا دواليك حتى
بداية الخمسينيات"، حيث توالت العروض من دور النشر العربية على السيد محمد
لتزويده بالصحف اليومية، والمجلات الأسبوعية.
سعى السيد محمد الى تطوير مهنته وذلك باعتماده على جلب الصحف عن طريق النقل
الجوى، مما ساعد فى وصولها فى وقت ابكر قياساً بجلبها عن طريق البر، ثم توسع
فى توزيع الصحف الإيطالية، ولكنه تخلى عنها رفقاً بأحد اليهود، ويقول عن ذلك
بأنه: " جاء لزيارتى وطلب أن أتوقف عن توزيع الصحف الايطالية بسبب أننى كنت
أوفرها مما جذب الزبائن لخدمتى، فقد أعرب لى حينها أن توزيع الصحف هى مصدر
رزقه الوحيد، وبمنافستى هذه قطعت رزقه". وقد ازدهرت أعماله فى تجارة الكتب
والمجلات خاصة مع ارتباطه بدار المعارف بمصر.
وعندما تقرر أن يكون عالم الكتب هو عالمه قرر فى العام 1955 افتتاح مكتبته
الشهيرة الواقع مقرها بشارع عمرو بن العاص (الوادى) رغم ضعف الاقبال على
القراء فى ذلك الوقت بسبب الأمية والفقر، ويتذكر ذلك: ".. كان الاقبال على
القراءة آنذاك ضعيف جداً، النسبة الأكبر من الزبائن كانوا من العرب
المغتربين، وهؤلاء خدمونى فى تسهيل أمر إجراءات الرقابة، إذ كان بعضهم يعمل
فى المؤسسات الرقابية، ونظراً لأنهم متشوقون للاطلاع على الصحف والمجلات،
فكانوا يتساهلون فى أمر التصريح بالتوزيع..". إلا أن المكتبة استطاعت
استقطاب النخبة المثقفة الليبية، كالدكتور خليفة محمد التليسى الذى ارتبط
بعلاقة وثيقة بالسيد محمد ومكتبته، تمثلت فى قيام السيد محمد بنشر عدة كتب
من تأليف وترجمة للدكتور التليسى مثل الرحالة، والكشف الجغرافى فى ليبيا
لإيتليو مورى (1971).
ويتذكر السيد محمد عن تلك العلاقة: ".. أحب خليفة التلسيى صديقى- وقارئ
مثقف يزونى دوماً، استفدت منه في بداية عملي النشرى والمكتبى، واستفاد هو
الآخر منى، علمته وعلمنى ودوماً يأتى للمكتبة ولا يخرج منها إلا محملاً بالكتب".
بالأضافة للتلسيي يتذكر أيضا الأديب الكبير على مصطفى المصراتى فيقول
بأنهما: ".. كانا يسديان لى النصائح والمشورة فى عالم الثقافة كأسماء
الناشرين".
شهد العام 1957 نقلة نوعية فى نشاط المكتبة عندما قام السيد محمد بنشر أول
كتاب لشاعر ليبى، وهو ديوان (الحنين الظامي) للشاعر على الرقيعى، بالإضافة
إلى ذلك قامت بإصدار أول مجموعة قصصية ليبية في كتاب في شهر مايو من سنة
1957 م، للقاص والكاتب الصحفي عبدالقادر بوهروس تحت اسم (نفوس حائرة)، وقد
جاءت في 195 صفحة من القطع الصغير، واحتوت على ثمانية قصص قصيرة.
مكتبة الفرجانى التى تحولت من مجرد مكتبة لبيع الكتب العربية إلى دار للنشر
والطباعة، قامت بإصدار أول رواية ليبية هى (اعترافات إنسان) للأديب محمد
فريد سيالة فى العام 1962م. ورغم قيام المكتبة بالطباعة فى مصر بعد تجربة
الطباعة فى المطبعة الحكومية إلا أنها لم تقتصر على نوعية معينة من الكتب،
فقام السيد محمد بإصدار مؤلفات قيمة فى مختلف نواحى المعرفة نذكر منها على
سبيل المثال: عمر المختار / الطاهر الزاوي، العدوان / محمد مصطفى بازامه،
وعلى احمد حمدى، آفاق جديدة فى تدريس الرياضيات (جزئين) 1972.
لم يكتف السيد محمد بالنشر بل مارس دوراً هاماً فى ميدان الترجمة من اللغات
الأوربية كالإنجليزية، والفرنسية، والايطالية الى اللغة العربية، فقد قام
بانتقاء الكتب التى تتحدث عن تاريخ وحضارة ليبيا فى محاولة للإستفاد مما
كتبه الغربيون عن بلادنا من أجل الوصول لفهم أكبر وأعمق، فيقول السيد محمد
عن ذلك: ".. كنت أختار الكتب التى تتحدث عن الجهاد، الرحلات عبر الأراضى
الليبية". وعلى سبيل المثال لا الحصر: كوستانزو برنيا، طرابلس من 1510
-1850 (ترجمة الدكتور خليفة التليسى) 1969، ورحلة في الصحراء الليبية /
كنود هلمبولويس رايت، وجوليا ماكليود (ترجمة: محمد روحى البعلبكى) "الحملات
الأمريكية على شمال إفريقيا فى القرن الثامن عشر" (د.ت)، ومابل لومس تود،
أسرار طرابلس (المترجم غير معروف)، 1968. وجلين تكر، (ترجمة عمر الديراوى
أبو حجلة) "معارك طرابلس بين الأسطول الليبى والأسطول الأمريكى فى القرن
التاسع عشر" 1967. وبريان بلويه (ترجمة مصطفى جودة) قصة مالطا،
(1969).والسنوسيون في برقة / إيفانس بريتشارد و جورج ريمون، من داخل
معسكرات الجهاد فى ليبيا ترجمة الدكتور محمد عبد الكريم الوافى، ط1، 1971،
ولوحات تسيلى قصة لوحات كهوف الصحراء الكبرى قبل التاريخ، هنرى لوت (ترجمة
أنيس زكى حسن)1967، ثم كانت ترجمة كتاب الآنسة توللى، عشرة أعوام فى طرابلس
(ترجمة عمر الديراوى أبو حجلة) الصادر فى عام، وقد لاقى هذا الكتاب الرواج
الشديد حتى تمت اعادة طباعته أكثر من مرة مع كتاب الجنرال الدموى غرتسيانى
"نحو فزان"، ثم توسع فى مرحلة لاحقة بترجمة كتب فى شتى نواحى الثقافة،
فصدرت ترجمة عربية رفيعة المستوى لكتاب بوخينسكى، تاريخ الفلسفة المعاصرة
فى أوربا، عبر قيام الأستاذ الجامعى محمد عبد الكريم الوافى بترجمته الذى
صدر فى العام 1971.
فى بداية الثمانينات أصبح للدار فروع فى كل من القاهرة ولندن التى كانت
تعيد طباعة كتبها تحت اسم جديد DARF.
خاض السيد محمد الفرجانى تجربة التأليف من خلال كتاب Beauty of Libya الذى
صدر فى العام 1970 باللغة الانجليزية حيث يحوى معلومات سياحية وتثقيفية
لتعريف الغرب بليبيا، كما اعاد ترجمة كتاب غراتسيانى (برقة الهادئة) فى
سنوات التسعينيات.
ومازال السيد محمد الفرجانى يواصل عملها فى النشر والتوزيع من خلال مكتباته
المنتشرة فى دول عدة.
* نقلا عن جريدة الجريدة العرب سنة 2004، ومجلة الجليس سنة 2007.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ذاكرة الوطن | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يونيو 14th, 2009 at 14 يونيو 2009 11:15 ص
نقلا رائعا ومفيدا وقصص كتابنا شئ مشوق وجميل شكرا السيدة الكريمة لشغل اوقاتنا بما ينفع ويفيد…بن فايد
يونيو 14th, 2009 at 14 يونيو 2009 3:39 م
موضوع مهم .. شكرا يا انتصار .. مزيد من التألق
يونيو 14th, 2009 at 14 يونيو 2009 3:40 م
يونيو 15th, 2009 at 15 يونيو 2009 10:08 ص
اخى علاء الفايدى أمضاء مرورك دائما يسعدنى
وتحية لك الاستاذ يوسف صاحب القلم الصحفى المبدع وأسفة جدا لان مكتوب كعادته معى احيانا تمرد على فوجدت صعوبة فى تمرير التعليقات الاعن طريق صفحة التحرير فخاتلنى ايضا ولم يحفظ تعليقك الثانى ، وانا معك أقدم تحيتى للاستاذة إيناس المنصورى التى تتحفنا من حين لاخر بإزالة غبار التجاهل والنسيان لشخصيات تاريخية مضيئة من بلادنا وتعرضها بصورة جميلة تليق بها ..مودتى للجميع
يوليو 12th, 2009 at 12 يوليو 2009 1:51 م
مرحبا
شكرا لكي اخت ايناس على النقل الجميل لأحد عمالقة ورواد عالم المكتبات السيد الفرجاني وأتمنى أن أرى المزيد من هذا النقل المميز
يوليو 29th, 2009 at 29 يوليو 2009 8:43 ص
مساء الخير الصديقة انتصار أبوراوي :- دار الفرجاني غنية عن التعريف أقول هذا عن أجيال الستينات و السبعينات
لكن الأجيال اللاحقة لا أظن أنها قد سمعت بها
تحية لهذا العملاق مع أني أعتب على الدار لأنها لم تنشط في مجال الأدب من حيث الطباعة
مدونة ((مجلة طرابلس الشعرية))
و السلام